عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
23
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
ذكر جملة من أخباره روي أنه دعا على ثلاثة فأجيب دعاءه فيهم ؛ دعا على واحد منهم بالجنون ، وعلى الآخر بالعمى ، وعلى الآخر بالجلاء . فجنّ الأول ، وعمي الثاني ، ومات الثالث في بلاد السودان « 1 » . ودخل على عبيد اللّه صاحب إفريقية فأقبل عليه وقال : يا محمد أنت ملاذ بلدك في كم من العيال أنت ؟ فأخبره فقال : نفرض لك في بيت المال ما يكفيك من النفقة والكسوة وغيرهما فقال : قبلت ولكن اترك ذلك في بيت المال حتى نحتاج إليه . قلت : هذه مسايسة حسنة ، ومحاولة برفق ، إذ هو خير من ردّه بلا محاولة . قال : « وحكي أنّه شاور رجل ابنته بشوار كثير ، فعجب الناس منه ، وحضر أبو بكر بن اللّبّاد فانصرف النّاس يهنئون صاحب الشوار ، فقال له أبو بكر : لا خلف واللّه عليك بخير فقد أكمدت جارك ، وأعضلت ابنته ، وخالفت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما » « 2 » . قلت : المنقول فيها عن ابن إدريس بلفظ حسن عجيب كثير ؛ وهذا أخص من اللّفظ الذي نقل الشيخ بأنه قد يكون كثيرا ولا يكون حسنا ولا عجيبا ، كما إذا كانت حوائج قديمة ورفع لعبيد اللّه إلى المهدية ليوليه قضاء صقلية ، فاعتذر وقال : صرت في حدّ لو كنت على القضاء لوجب إلّا إليّ ، فكيف ابتدائي وقد كبر سنّي ، ودخلتني زمانة فأعفاه . وهذا أيضا من لطائف شمائله وإلا فالشّيخ الكبير هو أولى بالقضاء ممن هو دونه ، لأنه يعلم من نفسه أنه ما بقي إلا على شفا حفرة ، فيكون الخوف عليه أغلب . وقال ابن إدريس : كنت يوما جالسا معه على باب داره إذ خرج من جيرانه رجل ولم يسلم عليه فجعلت انظر إليه فقال لي : يا أبا عبد اللّه إنّ أزهد النّاس في العالم قرابته وجيرانه . وقال مرة أخرى في مثلها : ما قرب الخير قط من قوم إلّا زهدوا فيه وذكر الأجدابي أنّ أبا بكر جلس يوما عند أبي إسماعيل المؤدّب جاره لينفرج ، ويرى الناس فكان النّاس إذا جازوا من ذلك الموضع ، رجعوا من طريق آخر هيبة له فقال : ما بالهم ؟ فقال : من أجلك ، فقال : إنما جلسنا في هذا الموضع ، لنتفرج لا لنضرّ بالناس في طريقهم ثم قام .
--> ( 1 ) الخبر في الرياض : 2 / 284 . ( 2 ) الخبر في الرياض : 2 / 286 .